Arabs Without God: Chapter 8

الفصل السادس: امتيازات الدِّين
الفصل السابع: مسلمٌ للمرة الأولى مسلمٌ دائماً
الفصل الثامن: الحقّ في الإساءة  
الفصل التاسع: طعمُ الحريّة؟
الفصل العاشر: سياسات الإلحاد
المصادر والملاحظات
مقدمة
الفصل الأول: إنكار الله وهدمُ المجتمع
الفصل الثاني: الإلحاد في التاريخ العربي
الفصل الثالث: كتابُ الله
الفصل الرابع: خسارتهم لِدينهم
الفصل الخامس: الإلحاد والجنس

الفصل الثامن: الحقّ في الإساءة والتسبّب الصّدمة والإزعاج

 

إن تبادل الأفكار والمعتقدات هو أحد نشاطات البشر الطبيعية، ولولا تجريب النّاس للأفكار، ولولا تعبيرهم عن آرائهم واختلافهم في الرّأي لبقيت الحضارة تراوح في العصر الحجريّ، ولذلك لا يمكننا الادعاء بأنّ أفكارنا هي مُلكنا ما دمنا نحتفظ بها لأنفسنا، فنحن بحاجة لأن يُسمح لنا بالتّعبير عنها، وبحاجةٍ للقيام بذلك التّعبير رِفقة الآخرين أحياناً. إنّ الحقّ في حرّية الفكر والعقيدة وحرّية التّعبير وحرّية تكوين الجمعيات مترابطة فيما بينها، وقد تمّ جمعها معاً على التّوالي في المواد 18 و19 و20 من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان.

وخلافاً لحرّية المعتقد، لا تُعتبر حرّية التّعبير ولا حرّية تكوين الجمعيات حقوقاً مطلقةً، لأنَّ ممارستها قد تتعارض أحياناً مع حقوق الآخرين، ولذا قد يكون من الضّروري أحياناً فرض بعض القيود من أجل تحقيق توازن بين هذه الحقوق التي قد تتعارض مع بعضها البعض، لكن وفقاً للعهد الدّوليّ للحقوق المدنيّة والسّياسيّة، يجب أنْ تبقى مثلُ هذه القيود في حدّها الأدنى، فيقول هذا العهد مثلاً أنّ أيّة قيود على حرّية التّعبير لا يجب ألّا تكون محدّدة بالقانون فحسب، بل يجب أيضاً أنْ تكون ضرورية من أجل احترام حقوق الآخرين وسمعتهم أو لحماية الأمن القوميّ والنّظام العامّ أو الصّحة العامّة أو الآداب العامّة.

ترى المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان أنّ المطالَبات بالتّعدّدية والتّسامح وسعة الأفق كثيرةٌ جدّاً -على الأقلّ في المجتمعات الديمقراطيّة - قد تصل إلى المطالبة بحماية حرّية التّعبير حتى لو تسببت في الإساءة إلى الآخرين. وفي قرارٍ تاريخيّ صدر سنة 1976 قرّرتِ المحكمة الأوروبيّة أنّ حرّية التّعبير لا تنطبق على الأفكار "الإيجابيّة أو الأفكار غير المؤذية أو ما يأتي منها على سبيل اللامبالاة، بل تنطبق أيضاً على الأفكار التي تسيء وتصدم وتزعج أيّ شريحةٍ من السّكان."

ترفضُ معظم الحكومات العربيّة وكثيرٌ من المسلمين هذا الأمر رفضاً قاطعاً، ويرون أنَّه يجب حماية الأشخاص المتديّنين من التّعليقات التي تحمل إساءةً ما لهم أو تضعهم موضع السّخرية. ولو طُبِّقَ هذا في الماضي لتمّ سجْن الكثير من المفكّرين والكُتّاب الأكثر أهميّة في التّاريخ الإسلاميّ، أمّا محاولة تطبيقه في الوقت الحاضر فينتج عنها جميع أنواع الممارسات التمييزيّة والمُجحفة، فكلَّ ما يحتاجه الأمر هو أنْ يزعم أحدهم أنَّه تعرّض للإساءة، وهذا ما يخلق فرصاً لتصفية الحسابات، إمّا عن طريق المحاكم أو في الشّارع، وغالباً ما يكون ذلك لأمورٍ تافهةٍ للغاية.

وبعد بضع سنوات من إصدار المحكمة الأوروبيّة حكمَها بخصوص الحقّ في الإساءة، راحت منظّمة إسلاميّة تُعرَف باسم المجلس الإسلاميّ في أوروبا تدفع في الاتجاه المعاكس، فأصدرَتْ هذه المنظّمة في سنة 1981 الإعلان الإسلاميّ العالميّ لحقوق الإنسان الذي يقول فيما يقول أنَّه لا يجوز أنْ يُسمَحَ لأحدٍ "بازدراء المعتقدات الدّينيّة للآخرين أو السّخرية منها أو التّحريض علانية على العداء ضدّها أو الاستخفاف بالمشاعر الدّينيّة للآخرين. بعبارة أخرى سعى الإعلان الإسلاميّ لمنح حصانةٍ خاصّة للمعتقدات الدّينيّة بوصفها تختلف عن غيرها من أشكال الاعتقاد. وإنِ استبدلنا كلمة "دينيّة" في الإعلان بكلمة "سياسيّة" لأصبحت المشاكل أكثر وضوحاً، أي سيؤدّي ذلك إلى تقييد النّقاش العام. وما يدعو للسّخرية غير المقصودة، سعى الإعلان الإسلاميّ أيضاً إلى حظر نشر "الباطل أو الزّور"، إذ سيقول الملحدون في هذه الحالة أنَّه يجب حظر الدّين نفسه لأنَّهم يرونه زوراً.

بين عامي 1999 و2011، وبطلبٍ من الدّول الإسلاميّة بشكل أساسيّ، أصدرتِ الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، ولجنة الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان، ومجلس حقوق الإنسان في الأمم المتّحدة، سلسلةً من القرارات لمواجهةِ "تشويه الأديان". انتُقِدَتْ هذه القرارات بدعوى أنّها تتعارض مع حرّية التّعبير، وتعكس إلى حدّ ما السّياسةَ الدّوليّةَ في ذلك الوقت، أيْ أنّها كانت استجابةً للتعصّبِ والتّحاملِ الذي ازداد حينها ضدّ المسلمين عموماً، وخاصّة في الغرب، وَوصمِ عامّة المسلمين بالإرهاب؛ لكن من ناحية علاج هذه المشكلة، كانت هذه القوانين غيرَ مدروسةٍ وتسير في الاتجاه الخاطئ.

تقول إحدى المنظّمات التي تدافع عن حرّية التّعبير في المادة 19: "إنّ مفهوم التّشهير بالدّين غير واضح، ويفتقر إلى أساس متين في القانون الدّوليّ." فمصطلح "تشهير" بمعناه الطبيعيّ يشير إلى الإساءات غير المبرّرة لسمعة شخصٍ ما. ومثله مثل المعتقدات الأخرى لا يمكن أنْ تقول أنّ الأديان لديها سمعتها الخاصة بها، وقد وَردَ في تقريرٍ للأمم المتّحدة أنّ حماية السّمعة في القانون الدّوليّ "تهدف إلى حماية الأفراد، وليس القيم المجرّدة أو المؤسّسات." 1

يعالجُ القانون الدّوليّ التعصّب الدّينيّ والأشكال الأخرى من التّحامل والتّعصب بوصفها خطابَ كراهية. ويدعو العهدُ الدّوليّ للحقوق المدنيّة والسّياسيّة على سبيل المثال الحكوماتِ لحظرِ "الدّعوة إلى الكراهية القوميّة أو العنصريّة أو الدّينيّة التي تشكّل تحريضاً على التمّييز أو العداوة أو العنف." وقد وَرَد في المادة (19):

"من الأنسب حظر أشكال معينة من خطاب الكراهية، غير أنّ تقييد النّقاش في القضايا الخلافيّة، بما في ذلك الدّين، لن يعالج المشاكل الاجتمّاعيّة الكامنة وراء التّحامل والتّعصّب، والتي تقوّض المساواة. يحتاج الأمر بدلاً من ذلك إلى نقاشٍ مفتوحٍ حول هذه القضايا للتّعريف بالضّرر الذي قد يسبّبه التّحامل والتّعصب، ولمحاربة القوالب النّمطية السّلبيّة (أو التّعميم الزائد)."

في سنة 2009، أصدر ثلاثة من المقرّرين الخاصّين بالأمم المتّحدة بياناً مشتركاً يعزّز هذه النّاحية:

"علينا ألا نغفل غايتنا في إيجاد أنجع السّبل الممكنة لحماية الأفراد من الدّعوة إلى الكراهية والعنف من قِبل أفرادٍ آخرين؛ وإنّ خطاب الكراهية ليس سوى عَرَضٍ لهذه الظاهرة، أي التجلّيَ الخارجيَّ لمكنوناتٍ أعمقَ بكثيرٍ ألا وهي عدم التسامح والتعصّب الأعمى؛ ولذلك فإنّ الرّدودَ القانونيّة، كالقيود على حرّية التّعبير وحدها، هي أبعدُ من أنْ تكون كافيةً لإحداث تغييرات حقيقية في العقليّات والتّصورات والخطاب.

لمعالجة الأسباب الجذريّة للتعصّب نحتاج إلى مجموعةٍ أوسعَ من التّدابير السّياسيّة، كالحوار في مجال الثقافات مثلاً، أو بتكثيف التّعريف بالتّسامح والتّنوّع." 2

وأضاف هؤلاء أنَّه ينبغي أنْ تتضمّن هذه السّياسات تعزيزَ حرّية التّعبير بدلاً من تقييدها فيقولون: "إنّ الرّدَّ الاستراتيجيّ على خطاب الكراهية هو مزيد من الكلام." كما حذّروا من اعتبار قضيّة "التشهير" بالدّين مساويةَ لقضيّة العنصريّة التي يرون أنّها تقوم في كثير من الأحيان، وبشكلٍ واضح، على أفكار باطلةٍ عن التفوّق العنصريّ، فغالباً ما تدّعي الأديان التفوّق، وبالتّالي "فإنّ العناصر التي تشكّل تصريحاً عنصريّاً قد لا تكون مساوية للعناصر التي تشكّل تصريحاً يشهر بالدّين على هذا النحو."

وعلى المستوى العمليّ البحت، وجدتْ دراسة للأمم المتّحدة أنّ القوانين الوطنيّة التي تحمي الدّين تفشل في حماية الحقوق الدّينيّة للأفراد وتكبتُ أيّ حوارٍ يمكن أنْ يكون "بنّاءً وصحيّاً وضروريّاً"، وغالباً ما ينطوي تطبيق هذه القوانين على التّمييز لأنَّها تحابي الدّين السّائد في بلد ما. تقول الدراسة:

"وهناك أمثلة كثيرة على اضطهاد الأقلّيات الدّينيّة والمعارضين والملحدين وغير الموحّدين نتيجةً لتشريعات تخصّ الإساءة للدّين، أو نتيجةً للتّطبيق المفرط للقوانين المحايدة إلى حدّ ما. وعلاوة على ذلك، فإن الحقّ في حرّية الدّين أو المعتقد كما هو منصوص عليه في المعايير القانونيّة الدّوليّة ذاتِ الصّلة لا يشمل الحقّ في امتلاك دين أو معتقد محصّن ضدّ النّقد أو السّخرية." 3

وثمّة نقطة أخرى جديرة بالملاحظة، وهي أنَّ القادة في المؤسّسات الدّينيّة، في كثير من البلدان، يتمّتعون بنفوذ وتأثير يتجاوزان القضايا الدّينيّة، وبالتّالي فإنّه ليس من المصلحة العامّة أنْ تكون هنالك قوانينُ تحميهم من التمّحيص والّنقد.

تضاءلَ دعم حماية الأديان من "التّشهير" تدريجيّاً في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتّحدة، وفي سنة 2011 تبنّى المجلس قراراً لم يذكرِ "التّشهير أو تشويه السّمعة أو ازدراء الأديان" على الإطلاق، وتحدث بدلاً من ذلك، وبشكلٍ بنّاء أكثر، عن سبل مكافحة التعصّب، واعتماد القوالب النّمطيّة السلبيّة (التعميم المفرط)، وتشويه السّمعة والتمّييز والتّحريض على العنف، والعنف الفعليّ ضدّ الآخرين على أساس الدّين أو المعتقد. تبنّى المجلس القرار الذي تقدمت به باكستان لصالح منظّمة المؤتمّر الإسلاميّ ودون إجراء تصويت.

كان هذا القرار بمثابة انتصار كبير لحرّية التعبير على المستوى الدوليّ، ورأتْ الدول المسلمة في تبني المجلس للقرار انتصاراً إدراكاً منها بأنّها كانت أقلَّ عدداً في المجلس أكثر من كونه يمثّل تغييراً في آرائها فيما يتعلق بحرّية التّعبير. لم يكن للقرار تأثير كبير على المستوى الوطنيّ، بل إنّ بعض الدّول تحرّكت في الاتّجاه المضادّ.

كانت تونس، على سبيل المثال، علمانيةً نسبياً خلال 23 عاماً من حكم الرّئيس المخلوع زين العابدين بن علي رغم القيود الكبيرة التي فرضها نظامه على حرّية التّعبير، وقد خلقتِ الانتفاضة الشّعبيّة التي أطاحت به في كانون ثاني/يناير 2011 فرصة للعلمانيين والمتدينين المتشدّدين على حدّ سواء، فقد سعى المتشدّدون السّلفيّون لفرض تفسيرهم للإسلام وهاجموا الأضرحة الصوفية - التي تَعتبرونها وثنيةً - والفعاليّات التي كان ينظّمها الشّيعة، كما هاجموا بعض الفنادق والأفراد الذين يبيعون الكحول، وضايقوا الكنيسة الأرثوذكسية الرّوسيّة؛ وقد تمّ اعتقال خمسة أشخاص بينهم ضابط شرطة بتهمة التّخطيط لخطف اليهود.

ويبدو أنّ السّلطات في تونس ما بعد الثورة كانت محتارةً في كيفية الرَّدِّ، وربّما كانت متردّدة في القيام بذلك أصلاً، وقد وَرَد في تقرير لوزارة الخارجيّة الأمريكيّة أنّ التّحقيقات الحكوميّة بشأن الهجمات على المواقع الدّينيّة أسفرتْ عن عدد محدود من الاعتقالات والمحاكمات، كما اتُّهمتِ السلطاتُ بعدم توفير الحماية اللازمة لدور العبادة المسيحيّة واليهوديّة وبالفشل في حماية المواقع الصوفيّة، غير أنّها اتّخذت خطوات لمنع الأئمة "المثيرين للشقاق والفتن" من إلقاء الخُطب في المساجد بما في ذلك الأئمة السّلفيّون.

في تشرين أول/أكتوبر من سنة 2011 بثّت قناة نسمة التلفزيونية الخاصّة فيلم الرسوم المتحركة "برسيبوليس Persepolis" الذي فاز بجائزةٍ في مهرجان كانْ السينمائي والذي عُرِضَ آنِفاً في دور السّينما التونسيّة دون أنْ يحدث ضجّة تُذكر. الفيلم مبنيٌّ أصلاً على رواية تحكي السّيرة الذّاتية لمرجان ساترابي، ويصوّر الأيام الأخيرة من حكم الشّاه وقيام الثّورة الإسلاميّة في إيران سنة 1979، كما عاشتها تلك الفتاة الشابّة التي تظهر في مشهد قصير وتتخيل أنّها تتحدث الى الله الذي صُوِّرَ على هيئة رجلٍ مسنٍّ ذي لحيةٍ بيضاءَ.

يعتبر تصوير الله تصرّفاً وثنيّاً في التّعاليم الإسلاميّة، فقامت مجموعةٌ من نحو 300 متظاهراً بمهاجمة محطة التّلفزيون، وحاولوا إضرام النار فيها. في وقت لاحق، تمّ تغريم مالك المحطّة نبيل القروي بـمبلغ 2400 دينار (أو ما يعادل 1500 دولار أمريكي) بتهمة "الإخلال بالنظام العامّ وتجاوز الآداب العامّة"، كما تمّ تغريم اثنين من موظفي القناة كذلك. وقد سعى الادّعاء إلى الحكم عليهم بالسّجن، وطالبَ اثنان على الأقلّ من المحامين الاسلاميّين بإنزال عقوبة الإعدام بهم، وصرّح أحدهما لصحيفة واشنطن بوست أنّ "أيّ شيء متعلق بالله فهو مُطلق."

وتعليقاً على المحاكمة، اتَّهمتْ منظّمةُ العفو الدّوليّةُ الحكومةَ التّونسيّةَ "بعدم وجود إرادةٍ" للدّفاع عن حرّية التّعبير، وأضافت قائلة: "لا يمكن فرضُ هذه القيود إلّا عند الضّرورة القصوى، رغم أنّ حماية الآداب العامّة أو النّظام العامّ قد تكونان أحياناً سبباً مشروعاً لتقييد حرّية التّعبير، واتّضح أنّ الحال لم يكن كذلك... فلا يجوز إدانة النّاس وإطلاق الأحكام ضدّهم بسبب آرائهم، حتّى لو كانت الآراءُ مثيرةً للجدل أو جارحةً."

في الفترةِ ذاتِها تقريباً حُكِم َعلى اثنين من الملحدين التّونسيّين بالسّجن لسبع سنوات ونصف، وتغريم كلٍّ منهما بمبلغ قدره 1200 دينار (أو ما يعادل 800 دولار أمريكي) بعد نشرهما موادّ على شبكة الإنترنت اعتُبِرت "ضارّةً بالنّظام العامّ أو بالآداب العامّة". وهذان الملحدان هما الصديقان جابر الماجري وغازي الباجي وهما في أواخر العشرينات من العمر من منطقة المهديّة وهي منطقة ساحليّة جنوب المنستير، وهما معروفان محليّاً بآرائهما الإلحاديّة.

ألّف الماجري عدة كتبٍ قصيرةٍ، وجعلها متاحةً للتحميل من شبكة الإنترنت؛ كانت إحداها عن الجنس وآثارِه على الصّحة، وذكرَ العديدَ من الممارساتِ الجنسيّةِ، بما في ذلك المثليّة الجنسية التي وصفها بأنَّها تُقبل على نحو متزايد "في المناطق ذات التفكير المنفتح،" ووصف الاعتداء الجنسي على الأطفال وأرفَقهُ برسمٍ كرتونيّ "للنبيّ محمّدٍ في الخمسينات من عمره وهو يحاول غواية عائشة وهي في السّادسة." وكان شكل رداء النبيّ في الرّسم يوحي بوضوحٍ أنَّه كان في حالة هيجانٍ جنسيّ. كما نَشَر الماجري كتاباً آخر بعنوان "الهدى والنّور" والذي يبدأ بالسّؤال:

"هل يُحتمل أن يكون القرآنُ ليس سوى كتاب كامل من الأكاذيب الشّيطانيّة والآيات الّتي "تدغدغ آذان" العرب؟"

لم يتسبّب أيّ ممّا سبق أيّ ضجّة في ذلك الوقت، لكن محامياً في المهديّة، يدعى فؤاد الشّيخ زوالي، اعترض على بعض الصّور على صفحة الماجري في فيسبوك وطلب منه إزالتها لكن الماجري رفض، ما دفع الزوالي إلى رفع دعوىً قضائيّة ضدّ الماجري ليُلقى القبض عليه وفق الأصول.

شَعَرَ غازي الباجي في تلك الأثناء بالقلق على صديقه وذهب للتّحقّق من ملفّ المحكمة عن القضيّة ليكتشف أنَّ قضيةً رُفعَتْ ضدّه هو أيضاً، ففرّ من البلاد كي لا يتمّ القبض عليه، لكنّه أُدِين غيابياً.

سافر الباجي إلى الجزائر وتركيا قبل التّسلّل بطريقة غير شرعيّة إلى اليونان حيث قال لمَوقِعٍ إلحاديّ على شبكة الإنترنت أنّ وجهات نظره حول الإسلام قد بدأت تسبّب له المشاكل منذ أنْ كان طالباً في الجامعة، وبعد أنْ تخرّج سنة 2007 قال أنَّه لم يتمّكن من العثور على عمل يتناسب مع مؤهلاته، ممّا دفعه إلى العمل في بيع تذاكر للمترو في تونس. سَخر منه زملاؤه عندما علموا بأمر إلحاده، وفي نهاية المطاف طُرِدَ من وظيفته "بسبب الاتّهامات الكثيرة بالهرطقة الموجّهة ضدّه." وذَكرَ الموقع ذاته أنّه قد طُرد من وظيفة أخرى بعد أنْ لاحظ زملاؤه أنَّه لم يكن يصوم شهر رمضان، وراحوا يسألونه عن سبب تركه للصّلاة وعدم قراءته للقرآن، ثم راحوا ينادونه بأبي لهب (عمّ الرّسول)، كما كثرت الشّائعات حول ميوله الجنسيّة، وقال أنَّه استُدْعِيَ من قبل الإدارة وسئل عن آرائه الدّينيّة، فكان جوابه أنَّه أتى إلى المصنع وأنّ دينه غيرُ ذي صلةٍ بالموضوع. 4

أمضى الباجي في سنة 2011 أربعة أشهر يتعافى من عمليّة جراحيّة في الرّكبة، وأمضى تلك الفترة في كتابة كتاب بالّلغة العربيّة بعنوان "وهْمُ الإسلام"، ونشره على شبكة الإنترنت معتقداً - وفقاً لما قاله للموقع الإلحاديّ آنفِ الذِّكر- أنَّه كان يعيش بعد الثّورة التّونسيّة "في حقبةٍ جديدة". ضمّ أحد فصول الكتاب أربعة رسومٍ كرتونيةٍ معدّلة، اثنان منها يربطان المسلمين بالإرهاب، وأخرى مسيئة للرسول، أمّا الرسم الرابع فكان يتعلّق بالسّيّدة عائشة والنبيّ محمّد، وهو ذات الرسم الذي ظَهَر في كتاب الماجري عن الجنس.

قال المحامي الزوالي الذي قام برفع القضيّة أنَّه يعتبر إهانة الرّسول جريمةً أكثرَ خطورةً من جريمة القتل، وأضاف لموقع نواة الالكترونيّ التّونسيّ: "هذه القضيّة لا علاقة لها بحرّيّة التّعبير ولا بالحرّية عموماً. آمل أنْ ينصّ الدّستور الجديد على فرض عقوبةٍ صارمةٍ لهذا النّوع من الجرائم لحماية الدّين ومشاعر المسلمين التّونسيّين."

وقال والد الباجي لموقع نواة أنَّه كان يفكّر ببيع منزله نتيجة للمحاكمة، لأنَّ العائلة أصبحت منبوذةً من قِبل الجيران وأضاف: "أصبحتُ أذهبُ إلى مسجدٍ في حيّ بعيد كي أصلّي... ولم يعد بإمكاني قضاء بعض الوقت في المقهى. حذرونا في المحكمة من الاتّصال بأيّ صحفيّ أو منظّماتٍ لحقوق الإنسان، وأنّنا إنْ فعلنا ذلك فإنّ ردّة فعل الرّأي العامّ ضدّنا قد تكون عنيفة." وأضاف أنّ ابنه تلقّى تهديداتٍ بالقتل من قبل السّلفيّين وأنّ زوجته تلقّت رسالة فحواها أنّ الماجري لن يفلت من عقاب السّلفيّين حتّى لو كان في السّجن. وقال إمامُ واحدٍ من أكبر المساجد في المهديّة لموقع نواة أنَّه رغم كونه لا يقف وراء هذه التّهديدات إلّا أنَّه يعتبر "جريمة" الماجري لا تُغتفر، وأضاف: "لا يمكن لومُ المسلمين الذين أسيئ لهم على ردّ عنيف قد يصدر عنهم."

وبعد حملة دوليّة للدّفاع عنه، أُفرِج عن الماجري بموجب عفوٍ رئاسيّ في آذار/مارس 2014، وتحديداً بعد سنتين من اعتقاله، أمّا الباجي فقد حصل في نهاية المطاف على الّلجوء في رومانيا.

في حزيران/يونيو من سنة 2012 وقعت اضطرابات بسب معرض للفنّ المعاصر في تونس وخلّفت نحو 100 مصاب، وتمّ اعتقالُ 160 آخرين، وفُرِضُ حظر على التجوال ليلاً في ثمان مناطقَ من البلاد، وتركّزت الاحتجاجات على معرض "ربيع الفنون" في المرسى وهي بلدة ساحليّة أنيقة في ضواحي تونس العاصمة، وتُعتبر بمثابة منتجع صيفيّ يقصده الأثرياء في تونس. سَمَحتْ وزارة الثقافة بإقامة المعرض الذي استمّر عشرة أيام، وشارك فيه عدد كبير من الفنّانين، وكان موجّهاً بالدّرجة الأولى إلى جمهور علمانيّ ليبراليّ.

وعشيةَ افتتاح المعرض وصلتْ مجموعةٌ صغيرةٌ من السّلفيّين للاحتجاج، لكنّهم غادروا بعد أنِ اكتشفوا أنَّ المعرض لم يكن للاحتفال بالشّذوذ الجنسيّ كما ظنّوا بادئَ الأمر؛ واستمّر المعرض حتى أوشك على النّهاية، وهنا تقول هيلا عمار وهي واحدةٌ من المشاركين في المعرض:

"سار كلّ شيء على ما يرام حتى يوم الاختتام حين حضر مسؤول محليّ لتقييم لوحات معيّنة اعتبر أنّها صادمةٌ، وشارك الصّور على الإنترنت، مضيفاً تفسيراته الخاصّةَ، وحذّر أئمّة بعض المساجد من طبيعتها التجديفيّة." 5

عندئذٍ نُشر شريطُ فيديو على شبكة الإنترنت يحثّ "جميع المسلمين" على "الغضب"، فوصل نحو 20 متظاهراً إلى المعرض فضلاً عن عدد كبير من مؤيّدي المعرض الذين تمّت دعوتهم من قبل المنظِّمين، وبعد جدالات حادّة، فصلت الشّرطة بين المجموعتين سلميّاً وأمرت بإزالة عدد قليل من الأعمال الفنّيّة الّتي أثارت الجدل، للتّخفيف من حدّة التّوتّر.

لكن في وقت لاحق من ذلك المساء اجتمع عدد أكبر بكثير من المحتجّين لتنظيم مسيرة، واتّجهوا نحو المعرض، وأفاد أحد الشهود برؤية المئات من النّاس، كان يلوح بعضهم بالسّيوف، "ثم راحوا يلقون بالحجارة على الشرطة. شعرتُ بالخوف وركضت إلى السيارة وأغلقت الباب." تمّكن بعضهم من دخول المبنى ومزقوا لوحتين من اللوحات وحطّموا قطعة منحوتة بضربها بالسّقف، وقاموا بإخراج تجهيزات كثيرة خارجَ الفناء وأضرموا فيها النّار، وكتبوا عبارات على الجدران من قبيل: "ليكن الله هو القاضي" و "تونس دولة إسلاميّة، ومع ذلك يهان فيها رسول الله برخصة من وزارة الثّقافة." وقد تلقى بعض الفنّانين رسائلَ تهديدٍ ورسائلَ مسيئةً ونُشِرَتْ أسماؤهم على موقع فيسبوك.

ليس هنالك شكّ في أنّ الكثير من الأعمال الفنّيّة المعروضة كانت استفزازيّة وتَسْخر من المظاهر المتطرّفة في الإسلام، فتصوِّر إحدى الّلوحات مثلاً شخصيّةَ سوبرمان بلحية على النّمط السّلفيّ يحتضن رجلاً ملتحياً آخر بين ذراعيه، ويظهر في لوحة أخرى وجه رجل ملتح قد غضب والدّخان يخرج من أذنيه، ويظهر في لوحة ثالثة امرأة عارية يغطي أعضاءَها التناسليةَ طبقٌ من الكُسكُس (نوع من الأطباق في شمال أفريقيا) ويحيط بها رجال يرمقونها بنظرات ظلاميّة تهديديّة. وعَرَض نحّات ثلاثة تماثيل لنساء محجّبات تمّ دفنهن بالحجارة إلى صدورهنّ، ويظهر في أحد الأعمال الفنّيّة خطوط نمل تزحف إلى حقيبة الطّفل المدرسيّة حيث شكّلت خطوط النّمل عبارة "سبحان الله" باللغة العربيّة، ويظهر في لوحة أخرى هلال وصليب ونجمة داود مع عبارة " République Islaïque de Tunisie" حيث كلمة Islaïque مؤلفة من كلمتين هما Islam وكلمة laïque وهي كلمة فرنسيّة تعني "العلمانيّة".

لكنّ هيلا عمار ترى أنّ الفنّانين أصبحوا كبش فداء في صراع أكبر حول مستقبل تونس، وصرّحت لقناة الجزيرة:

"لقد اخْتُلِقَتْ هذه القضيّة للتغطية على قضايا أكثر خطورة، فنحن وسط حرب بين العديد من الحركات السّياسيّة يحاول فيها السّلفيّون والحركات الرّجعيّة الأخرى الضّغط على الحكومة الحاليّة لثنيها عن الاعتدال والتّهدئة. إنّ النّقاشات في الهويّة والدّين هي مشاكل زائفة هدفها صرف النّظر عن الوضع الأمنيّ غيرِ المستقرّ، والمشاكل الاقتصاديّة والاجتمّاعيّة الخطيرة التي لم تُحلَّ بعدُ، وعن نظام العدالة الانتقاليّة الذي ثَبتَ أنَّه من الصّعب إقامته... وإنّ جُلَّ معاناتنا في زمن حكم بن علي كان بسبب الرّقابة الذّاتية حين فَرضها لمعالجة الموضوعات السّياسيّة. أمّا الأن فتعتمد الرّقابة على مسائلَ دينيّة وأخلاقيّة، وهذا يجعل الوضع أكثر سوءاً."

أدّت قضيّة "ربيع الفنون" إلى إطلاق دعواتٍ لسنّ قانون جديد لحماية "المقدّسات"، فمقاضاة تلفزيون نسمة والملحدين تمّت بموجب القوانين التي سُنَّتْ في عهد بن علي الذي طالما استخدمها ضدّ خصومه السّياسيّين. كما أنّ حزب النّهضة، وهو الحزب الدّينيّ المهيمن على الجمعيّة التأسيسيّة، اشتكى من عدم وجود قانون للتّعامل مع الكفر على نحو خاصّ، وأصدر بياناً قال فيه: "إنّ الرّموز الدّينيّة فوق كل سخرية أو استهزاء أو انتهاك." وفي شهر آب/أغسطس؛ قدّم الحزب مشروع قانون لإدراج الله والأنَّبياء والقرآن والإنجيل والتّوراة والسّنّة النّبويّة والكنائس والمعابد اليهوديّة والكعبة تحت بند المقدّسات" وطالبَ أنْ يُجَرَّمَ "اللعنُ والسّبُّ والسّخريةُ والتّقويضُ والتّدنيسُ" لأيٍّ من هذه الرموز بالسّجن لمدّة قد تصل إلى عامين مع غرامة قدرها 2000 دينار (1265 دولار)، كما اقترح مشروع القانون حظرَ تمّثيلِ أو تصويرِ اللهِ والأنَّبياءِ.

غير أنّ مشروع القانون هذا تمّ سحبه بعد اعتراض منظّمات المجتمّع المدنيّ التّونسيّة والدّوليّة، حيث قال هؤلاء أنَّه وفقاً للمادّة 19 فإنّ مشروع القانون يمثل انتهاكاً للمعايير الدّوليّة لحقوق الإنسان وبأنّه "يعطي الشّرطة والقضاء حرّية التصرّف في تقرير طبيعة السلوك الذي يشكل" إهانة" أو "استهزاء" "بالمقدّسات." 6

إن "الكفر أو التجديف" مصطلحٌ فضفاضٌ يُستخدم في السّياق الدّينيّ لوصف مظاهر الازدراء بالشّخصيات والأشياء، والكلمة الإنكليزية مشتقّة من الفعل اليونانيّ blasphemein التي تعني "التحدّث بسوء عن" ولكن في اللغة العربيّة يمكن استخدام كلمات مختلفة كثيرة مثل السّبّ والشّتمّ والّلعن والتّكذيب...الخ، وفي بعض الأحيان يُعتبر الكفر في الإسلام شكلاً من أشكال الرِّدَّة.

تَستخدِم الدّولُ العربيّةُ عدّة آليّات مختلفة إما منفردة أو مجتمّعة لمنع الخطاب غير المرغوب فيه عن الدّين. وبصرف النّظر عن الشّريعة، يمكن أنْ تشمل هذه الآليات الإعلاناتِ الدستوريّةَ التي تمنح الإسلام مكانة متمّيزة أو محميّة، وأحكاماً محدّدة ضدّ الكفر، وقوانين عامّة حول النّظام العامّ ووسائل الإعلام والاتّصالات وغيرها، والتي يمكن تطبيقها على الكفر، كما أنّ هناك قوانين مماثلة ضدّ ما يمكن تسميته "الكفر العلمانيّ" الذي ينتهك "حرمة" الدّولة كالإضرار بسمعة البلاد، وإهانة رئيس الدّولة، وتشويه سمعة المسؤولين الحكوميّين والجيش، ونشر أنباء "كاذبة" وما إلى ذلك؛ ففي الجزائر مثلاً يجمع الدّستور بين الدّين والنظام السّياسيّ وذلك بمنع "الممارسات التي تتنافى مع الأخلاق الإسلاميّة، وقيم ثورة تشرين الثاني/نوفمبر،" كما أنّ قانون الإعلام في المغرب، والذي أُقِرَّ سنة 2002، يمنع الانتقادات الموجّهةَ "إلى الإسلام، أو لمؤسّسة النّظام الملكيّ أو وحدة أراضي المملكة."

يوجد في سلطنة عُمان وقطر والإمارات العربيّة المتّحدة قوانينُ محدّدة وعقوباتٌ ضدّ الكفر (التجديف)، ففي سلطنة عُمان يُعتبر ازدراء أيّ دين جريمةً جنائيةً، والحدّ الأقصى لعقوبة إثارة النّعرات الطائفية أو الدّينيّة هو السّجن لعشر سنوات؛ وتَصْدُرُ أيضاً أحكام قد تصل إلى ثلاث سنواتٍ في بعض الأحيان وغرامةٍ قدرها 500 ريال (1300 دولار أمريكي) ضدّ من "يسب الله أو أحد أنبيائه علناً"، أو يهين الجماعات الدّينيّة عن طريق الكلمة المنطوقة أو المكتوبة، أو يقوّض السّلام في مجتمعٍ متديّن يحكمه القانون. إنّ استخدام الإنترنت بطرق "قد تُخِلّ بالنّظام العامّ أو القيم الدّينيّة" هو تهمة عقوبتها السّجن؛ وفي قَطر تصل عقوبة التّشهير أو التّدنيس أو شتيمة الإسلام المسيحيّة أو اليهوديّة إلى السجن لسبع سنين، كما ينصّ القانون أيضاً على أحكامٍ بالسّجن لسنة واحدة أو بغرامة قدرها 1000 ريال (275 دولار أمريكي) لكلّ من يُنتج أو يتداول الموادّ التي تشهِّر بهذه الدّيانات الثّلاث، وفي دولة الإمارات العربيّة المتّحدة يُرَحَّلُ كلُّ من يجدّف، أو يوجه الشّتائم والإهاناتِ، أو من يستخدم البذيءَ من اللغة أو السلوك، كما يفرض القانون عقوباتٍ على استخدام الإنترنت للتبشير ضدّ الإسلام أو “الاعتداء" على ضريح مقدس، أو طقوس دينية ما، أو إهانة أيّ دين كان، أو تحريض شخص ما لارتكاب معصية أو ما ينافي "قيم العائلة."

تسعى معظم الدّول العربيّة إلى حماية المسيحيّة واليهوديّة جنباً إلى جنب مع الإسلام -على الأقلّ نظريّاً - باعتبارها الدّيانات السّماويّة الثّلاثة، غير أنّها لا تفعل الشّيء ذاته بالنّسبة للمعتقدات الأخرى، كما أنّ العقوباتِ المفروضةَ على مهاجمة الإسلام أقسى في بعض الأحيان ممّا يُفْرَضُ على مهاجمة اليهوديّة والمسيحيّة؛ فالعقوبة القصوى "للاستهزاء" بالدّين في اليمن مثلاً تكون أشدَّ إذا كان الإسلام هو الدّينَ المعنيّ.

ويوجد في عدّة دول أحكامٌ خاصّة بقوانين الإعلام من أجل حماية الدّين، فالأردن يحظر الموادّ التي فيها افتراءاتٌ أو شتائمُ "لمؤسّسي الدّين أو الأنبياء" أو التي فيها ازدراء "لأيٍّ من الدّيانات التي يحميها الدّستور"، مع احتمّال فرض غرامة قدرها 20000 دينار (28000 دولار أمريكيّ) للمخالفين. ويحظرُ قانون الصّحافة والمطبوعات لعام 1990 في اليمن - من بين أمور أخرى - ما يلي:

• كلّ ما يمسّ العقيدة الإسلاميّة ومبادئها السّامية أو يستخفّ بالأديان أو العقائد الإنسانيّة.

• كلّ ما قد يسبّب التمّييز القبليّ أو الطائفيّ أو العرقيّ أو المناطقيّ، أو ما قد يَنشر فكر الشّقاق والتّفرقة بين أفراد المجتمع، أو ما يدعوهم إلى الرِّدَّة.

• كلّ ما يؤدي إلى انتشار الأفكار الّتي تتعارض مع مبادئ الثّورة اليمنيّة، والتي تضرّ بالوحدة الوطنيّة، أو تشوّه صورةً من صور التراث اليمنيّ، عربيّةً كانت أو إسلاميّة.

ويفرض القانون الكويتيّ عقوباتٍ بالسّجن على الصّحفيّين الّذين يشوّهون أيّ دينٍ أو سمعةَ أيٍّ من الشّخصيّات الدّينيّة، ويُسمح للمواطنين بتوجيه اتّهامات جنائيّة ضدّ المخالفين المشتبه بهم. أمّا مرسومُ "الطّوارئ" الصّادرُ عن الأمير في عام 2012، والمعروف باسم قانون الوحدة الوطنيّة، فيتّسع ليشملَ وسائلَ التّواصل الاجتمّاعيّ، كما أنَّه زاد العقوبات بدرجة كبيرة، حيث يمكن سجن المخالفين لمدة قد تصل إلى سبع سنين، وتفرض عليهم غرامةً قد تصل إلى 200000 دينار (720000 دولار أمريكيّ)؛ ومع ذلك قاومت الحكومة ضغوطاً من البرلمان لفرض عقوبة الإعدام على من يكفرُ بالله من المسلمين.

ومن المفارقات أنّ نسبةً صغيرةً فقط من قضايا الكفر في الدّول العربيّة تشملُ الملحدين والكافرين، لأنَّها في الغالب نتيجةٌ للخلافات بين المسلمين أنفسِهم، أو بين المسيحيّين والمسلمين، أو بين المسلمين السّنّة والمسلمين الشّيعة، أو مجرّد مشكلة سببها الضغائن بين النّاس، وفي كثير من الأحيان يكون من المستحيل أنْ نعرف ما قاله الجاني بالضّبط، لأنَّ الكلمات لا يمكن تكرارها في التّقارير الصّحفيّة، وفوق كلّ هذا فإنّ الكثير من الحالات التي تُحال إلى المحكمة تافهةٌ للغاية، الهدف منها أحياناً الإغاظةُ لا أكثر.

في سنة 2013 حُكم على المدرّس الكويتيّ مصعب شمسة بالسّجن لمدة خمس سنوات بسبب تغريدة له حول الدّور اللاهوتيّ للأئمّة حيث اعتُبرت إهانةً للدّين. نفى شمسة الاتّهام مدّعياً أنّ تغريدته - التي ذكر فيها حفيدَ النبيّ وأشارت، على ما يبدو، إلى الخلافات الدّينيّة بين السّنة والشّيعة - قد أُسيء تفسيرها. وقال محامي شمسة أنّ الأخيرَ حذف التّغريدة بعد عشر دقائقَ من نشرها، وأوضح في تغريدتين لاحقتين ما كان يقصده في تغريدته المحذوفة. نالَ شمسة حكماً بالسّجن سنة واحدة بتهمة الاستهزاء بالدّين المنصوص عليها في المادة 111 من قانون الجزاء الكويتيّ، لكنّ المحكمة أضافت مدّة أربع سنوات أخرى لنشره موادَّ مسيئةٍ ومخالفةٍ لقانون الوحدة الوطنية، و"لإساءة استخدام" الهاتف المحمول، باعتباره نشرَ التغريدةَ المخالفةَ من هاتفه المحمول ذاك.

وفي مدينة "بسكرة" الجزائريّة حُكم على سامية سميتس البالغة من العمر 26 عاماً بالسّجن لعشر سنوات–وهو الحدّ الأقصى المسموح به من قبل القانون - بتهمة تدنيس القرآن الكريم، وقد كانت في السجن أصلاً حين ارتكاب الجريمة المزعومة وذلك بسبب قضية مدنية، واتُهمت من قبل سجناء آخرين بأنّها مزّقت نسخة من القرآن، غير أنّ "سميتس" - التي لم يمثّلها أحد في المحكمة بشكل قانونيّ - نفتْ تمزيق المصحف وقالت أنَّه سقط سهواً في الماء أثناء نقاش دار هناك، وبعد ذلك بعام قَبِل قاضٍ سماع استئنافها وأُسْقِطَتِ التّهمة لعدم كفاية الأدلّة، بما في ذلك فشلُ الادّعاء بتقديم القرآن الممزّق كدليل.

في أول عامين بعد سقوط نظام مبارك في مصر أُوْدِعَتْ على الأقلّ 17 قضية اتّهامٍ بازدراء الدّين في المحاكم، وكان سبب كثيرٍ منها المنافساتُ المتجذّرةُ بين المسيحيّين والمسلمين، لكنْ تمّ في إحدى القضايا استدعاءُ معلِّمة قبطيّة للاستجواب، واحتُجزت ليلةً بعد أنِ اتّهمها طلّابها بإدلائها بتصريحاتٍ مهينةٍ للنبيّ محمّدٍ في الصّف؛ وفي قضيّة أخرى، أُحيل خطيبٌ مسلمٌ إلى المحكمة بتهمة تمزيق نسخة من الإنجيل خلال الاحتجاجات التي اندلعت ردّاً على نشر فيديو من 14 دقيقة بعنوان "براءة المسلمين."

إحدى أكثر الحالات غرابةً في مصر شملتِ اثنين من الصِّبية المسيحيّين الأقباط تتراوح أعمارهم بين التسعة والعشرة أعوام؛ فقد أمضيا خمسة عشر يوماً رهنَ الاحتجاز في قسم الأحداث، وذلك بعد اتّهامهما بالتبوّل على صفحات من القرآن. وقيل أنّ الأولاد - الّذين يعيشون في قرية سكانُها مزيجٌ من المسلمين والمسيحيّين - ارتكبوا الجرم المزعوم خلف المسجد؛ وقال أحد الجيران لوكالة اسوشييتد برس أنّ الفَتَيينْ أُمّيّان ولا يستطيعان تمّييز صفحات القرآن. 7

يبدو في حالاتٍ كهذه أنّ الكفر يمكن أنْ يقع حتى لو كان في ذهن الشّاهد فقط، فلا دليل على أنّ الفَتَيين المصريّين أو السّجينةَ الجزائريّةَ أو المغرّدَ الكويتيَّ يضمرون ازدراءً للدّين فعلاً. وبالنّظر إلى سياق هذه الحالات الثلاث فإن التّوتّرات الطّائفيّة في مصر والكويت، والجدل الذي دار بين السّجناء في الجزائر ربما تثير تساؤلاتٍ حول دوافع المتّهمين، ويبدو في كثير من الأحيان أنّ عامل "أوقعتُ بك!" له دورٌ في ذلك، فأولئك الذين يبلّغون عن حالات كهذه يشعرون بالسّعادة لكونهم أوقعوا بالمتّهم أكثر من شعورهم بأنّهم تعرّضوا للإهانة.

في سنة 2005 نشرت الصّحيفة الدّانماركية "يولاندس-بوستن Jyllands-Posten " بعض الرّسوم المسيئة للنبيّ محمّد ممّا أثار موجة احتجاجات في جميع أنحاء العالم الإسلاميّ استمرّت لعدّة أشهر. وكان اليمن أحد تلك الدّول، حيث نَزَل آلاف المتظاهرين الى الشوارع وأعلنتِ المتاجر مقاطعةَ المنتجات الدّانماركيّة. وكتبت صحيفة يمن أوبزرفر، وهي صحيفة أسبوعيّة تُنشر باللغة الإنجليزيّة، تقريراً عن هذه الاحتجاجات إضافةً إلى تعليق تحريريّ ونُسخٍ صغيرةٍ لثلاثةٍ من الرّسوم المسيئة بعد طمسها جزئياً بإشارة X بخطّ أسودً غامق.

اعتُقل بعد أسبوعٍ رئيسُ تحرير الصّحيفة محمد الأسدي بتهمة الإساءة إلى الإسلام، وطالبَ محامي الادّعاء بإعدامه وبإغلاق الصّحيفة ومصادرة أصولها. علّقت الحكومة ترخيص الصّحيفة ومنعتْها من النّشر لأكثرَ من ستّة أشهر رغم استمرار الموظّفين بالنّشر على شبكة الإنترنت.

قال الأسدي أنّ المشكلة الحقيقية لم تكن في الرّسوم التي أدانتها صحيفته أصلاً، بل في مقالةٍ افتتاحيةٍ أثارت غضب المتشدّدين من خلال دعوتها المسلمين إلى قبول اعتذار الدّانمارك والتّصرّف "برويّةٍ ووقار"، غير أنّ محامي الادّعاء والمدّعي العامّ اليمنيّ أصرّا على أنّ التُّهم تقع على الصّور وحدها، ولا يمكن استخدام التّقرير الإخباريّ ولا المقال الافتتاحيّ كأدلّة.

نرى مما سبق أنّ نُظُمَ القضاء العربيّة تمنح المواطنين أحياناً فرصاً لإقحام أنفسهم في القضايا المعروضة على المحاكم، وذلك في حال كان لديهم رأيٌ شخصيّ قويّ يدفعهم للقيام بذلك، ومحاكمةُ صحيفة اليمن اوبزرفر ليست استثناءً. كما أنّ عبد المجيد الزّندانيّ، وهو الصّديق السّابق لأسامة بن لادن، والّذي صنّفته الولايات المتّحدة كإرهابيّ دوليّ (أي الزّندانيّ) والذي كان قد غرّر بالعلماء الغربيّين للإقرار "بالإعجاز العلميّ" في القرآن، والذي أعلن فيما بعدُ أنَّه اكتشف علاجاً لفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) أيضاً، قد انضمّ إلى هذا الصّراع القانونيّ، وزَعَم أنّ صحيفة اليمن أوبزيرفر قد تسبّبت بأضرارٍ، وأنّها بإعادة إنتاج الرّسوم المسيئة ونشرِها قد انتهكتِ الحقوق المدنيّة للمسلمين، غير أنّ ادّعاءات الزّندانيّ رُفضت في نهاية المطاف، وغَرَّمتِ المحكمةُ الأسديَّ بمبلغ 500000 ريال (2320 دولار أمريكي) بذريعة أنَّه تعامل مع الرّسوم بشكلٍ "غير لائق."

الفصل التاسع


الإشعار القانوني

تمّ نشر هذا الكتاب لأول مرة باللغة الإنجليزية سنة 2014 تحت عنوان "Arabs Without God" وهو متوفر بنسختين ورقيّة والكترونية على موقع Amazon.com

ونُشرت الترجمة العربية للكتاب بموجب ترخيص Creative Commons) CC BY-NC-ND 4.0) ما يعني أنّ بالإمكان نسخها وتوزيعها في أيّ شكل، لكن لأغراض غير تجارية فقط. يمكن الاطلاع على الشروط والأحكام الكاملة هنا:

https://creativecommons.org/licenses/by-nc-nd/4.0/legalcode